خارطة مقاومة بايقاعات سياسية

القذيفة التي لا تطلقها رؤيا سياسية ثاقبة ومتجانسة ومتفاهمة تحوم في فراغ ..  قد تقتل ، وقد تدمر ، وقد تصيب هدفها بدقة ، لكنها فقط توسع مساحة الفراغ الذي يلتهم التضحيات والانتصارات معاً .. الموقف السياسيهو الذي يملأ هذا الفراغ ،وهو الذي يجعل القذيفة رسالة للحياة ،أو مجرد أداة للموت .  ابتلي اليمن بجماعة طائشة تتحرش باستقراره بإشعال الفتن والحروب إعتماداً على موروث سياسي كهنوتي ، تهيئ الظروف لأي مغامر دوافع استدعائه في اللحظة التي تتراخى فيها قبضة الدولة ليثير الفتنة والحرب جرياً على ما ارتبط بهذا الموروث من أوهام تتعلق بشئون الحكم والتسلط .

 وهو في الأساس مشروع ايديولوجي مسلح يستخدم العنف والقوة للوصول الى أهدافه . مقاومة هذا المشروع لا بد أن تتأسس في إطار مشروع يجسد الدولة المدنية ونظام الحكم المعبر عن إرادة الناس .

وهو أمر لا يمكن أن يتم بدون ضوابط أو قواعد تستمد من إدراك مخاطر هذا المشروع العنصري من ناحية ، والحاجة لتكوين الحامل السياسي المناسب لمواجهته . 

 

لا يجب مواجهة هذا المشروع المغامر القائم على مفاهيم أيديولوجية في الحكم إلا بمشروع سياسي وطني يتجاوز مثالب الأنظمة المستبدة ، التي تركت فجوات هائلة في الدولة لتسويق مشاريع حكم لا وطنية ، وبمستويات لم تكن قادرة غلى استيعاب الوطن كله .. وبدلا من أن توسع نطاقها الوطني لتستوعب الوطن كله ، راحت تستخدم القوة والافساد والقمع وتدمير البنى السياسية والثقافية والاجتماعية المؤهلة لبناء الدولة الوطنية بقاعدتها الواسعة . هذا الوجه الاول للحامل السياسي في معناه ، أما الوجه الآخر له ، أي في مبناه ، فهي القوى السياسي والاجتماعية المؤمنة بهذا المفهوم للدولة .

 

باختصار لا يمكن مواجهة مشروع الحوثي المتسلح بأيديولوجيا عنصرية للحكم الا بمشروع جامع متسلح بروافع وقيم وطنية . وإذا كان المشروع الحوثي بأيديولوجيته العنصرية قد توفرت له قوة متجانسة ومتماسكة تبشر به وتقاتل تحت رايته ، فإن المشروع المقاوم ، والذي يفترض أن يكون مشروع الدولة الوطنية بروافعها وقيمها الوطنية ، لا بد أن يتوفر له الحامل المتماسك ، على أن يتجسد ذلك على كافة الأصعدة ، وبصورة تبعث الإطمئنان والحوافز المجتمعية والشعبية .

بعد أن فرض الحوثي طبيعة المواجهة مع مشروعه عسكرياً ، فلنراجع الان على صعيد الجبهة العسكرية مدى توفر هذا الحامل السياسي الوطني الذي لا يمكن لنا تقييم هذا المسار بدون أن نأخذه بعين الاعتبار ، حتى بحده الأدنى الذي لا يمكن أن يكون للمقاومة معنى بدونه .

أسفرت المواجهة مع الانقلاب الحوثي  ومليشياته عن خارطة عسكرية مكونة من ثلاث جبهات ، تغيرت فيها المسارات وتبدلت على النحو التالي : • الميسرة ، وهي جبهة الساحل الغربي وتمتد من صلاح الدين في عدن مروراً بباب المندب والمخا حتى الحديدة  .

تحققت فيها انتصارات كبيرة ، وكان التفوق فيها للحكومة الشرعية والمقاومة الوطنية الباسلة بدعم التحالف العربي ، وكان من الممكن أن تغير مجرى الأمور عامة لصالح استعادة الدولة وتحقيق السلام بمرجعياته التي تؤمن استقرار اليمن فيما لو استكمل تحرير الحديدة وموانئها ، والذي كان قاب قوسين أو أدنى من النجاح ، لكنها أجهضت على النحو الذي رأينا ...فقد تدخلت الحسابات السياسية المتعارضة موضوعياً مع حاجة المشروع الوطني ، وشهدنا ، بأسف ، كيف أفرز ذلك الإجهاض مساراً مختلفا للأحداث جعل عملية السلام معادلاً للمناورات الحوثية التي سخرت  من الجميع . 

لا بد من الاشارة هنا إلى أن هذه الجبهة كانت قد  توفرت لها كثير من شروط النجاح في بداية معارك التحرير ، بعد أن أنطلقت من عدن جنوباً ، بقيادة موحدة ودعم من التحالف العربي، لتكتسح أهم مراكز التجمعات العسكرية للانقلابيين .. ثم اتسعت جغرافيتها العسكرية-السياسية بعد ذلك ، وأخذت تتزاحم بحسابات سياسية تعكس حالة الانقسام الذي جعل معركة التحرير تتشظى على نحو لم يعد بالإمكان إغفال أسبابه العائدة إلى أسباب نعرفها جميعا . 

إن هذا التشظي يعكس استمرار حالة الانقلاب في مستواه الذي جسده الانقسام داخل بنية النظام القديم .  • القلب ، وهي جبهة واسعة تشمل ، الضالع ، يافع ، تعز ، وإلى جانبها البيضاء، مكيراس ، ثرة ، طور الباحة ، كرش ، ويقوم فيها الحوثيون بمعارك استنزاف مستمرة ومتواصلة .  والضالع بالنسبة للحوثيين جبهة ذات قيمة خاصة ، وهي تمتد من وادي بنا باتجاه العود ودمت وجبن والحقب ومريس وقعطبة والفاخر، وحجر السفلى ، والمشاريح وقروض والقفلة ، والضالع بنواحيها ومدنها وقراها .  ويرى الحوثيون أن كسر هذه الجبهة يكفي لتحقيق نصر معنوي من شأنه أن يقلب المعادلة رأساً على عقب .

وفي حين أن هذه الجبهة تشكل في الاساس قاعدة وطنية في مواجهة المشروع الحوثي ، كما كانت ولا زالت قاعدة المشروع الوطني ، إلا أن المسار السياسي للأحداث قد أربك المسار العسكري ، وخاصة ما يتعلق بقضية الجنوب والتي انعكست تداعياتها بشكل أو بآخر على مجرى الأمور في هذه الجبهة ،  وهو ما يجب على الشرعية والأطراف المعنية فيها أن تعيد النظر في هذين المسارين برؤيا استراتيجية وواقعية ومتكاملة تتجاوز النتائج المترتبة على غياب التفاهمات الاستراتيجية ، وتضع خطة لصيانة هذا ( القلب) الذي سيعني اختراقه من قبل الحوثيين ، إلى جانب ما حل بجبهة الساحل الغربي والحديدة ، من أي انتكاسة لا يمكن تجاوزها بسهولة .  • الميمنة ، وهي جبهة تضم : مارب ، صرواح ، نهم ، الجوف ، وهي الجبهة التي يتركز فيها الثقل العسكري بكل ما رافق المراحل الأولى من تكوين لقواعد انطلاق ثابتة وقوية ، وخاصة في مارب بما حملته من رمزية ، وما حققته من انتصارات بدعم التحالف العربي، لمواجهة المشروع الحوثي الإيراني .

وهذه الجبهة ، التي يمكن القول أنها صممت لتكون الجبهة القائدة ، تعرضت هي الأخرى ، رغم كل التضحيات ، لانتكاسات ، بعد النجاحات الضخمة التي حققتها في المرحلة الأولي ، يصعب سبر غورها بالمعايير العسكرية .. ثم تجميدها بحسابات سياسية لم تحسب حساب متطلبات المعركة الشاملة ، وهو ما يستلزم إعادة ربط مسارها وإصلاحه سياسياً وإدراياً على نحو تتمكن معه من ضبط إيقاعات المواجهة فيه بمعايير تتكامل فيها مع الجبهات الأخرى .  

 

إن قراءة شاملة لوضع هذه الجبهات ، بما تمثله من لوحة للتوافقات والتناقضات بسبب الوضع المرتبك للحامل السياسي ، لا بد أن ينتهي إلى معرفة نقاط الضعف في منظومة المواجهة على كافة الأصعدة ، فهي انعكاس للتراكمات السياسية التي عصفت باليمن ورحلت إلى قلب إدارة الحكم التي آلت إليها السلطة بعد ترتيبات نقلها سلمياً ، وما لحق ذلك من انقلاب وانشقاقات وانهيارات .

  إنها في الحقيقة ميراث من المشاكل التي تحتاج من موسى إلى "عصاه" قدر حاجته إلى أخيه .

 
 
نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص